حضور الانساق الثقافية في االشعر الجاهلي

style="text-align: right;">حضور الانساق الثقافية في الشعر الجاهلي * حضورالأنساق الثقافية في شعر هجاء الأزواج من العصر الجاهلي إلى العصر العباسي 

-الهجاء بين الفردية والقبليةوبين الإفصاح والكتمان 

الهجاء كما عرف عند العرب هو فن من فنون الشعر الغنائي يعبر به الشاعر عن غضبه او استهزائه، معتمدا على السب، الشتم والتحقير،ينقسم، الهجاء إلى نوعين إما فردي أو قبلي، فكان الشاعر إما ان يهجو شخصا او قبيلة ،وقديكون الهجاء أيضا إما واقعيا حيث يصور فيه الشاعر واقع الإنسان المهجو،أو هجاء ساخرا عن طريق نعث المهجو بصفات مثيرة للسخرية والاستهزاء أو قد يكون هجاء تعريضيا يعتمد على الرمز دون ذكر اسم المهجو، وفي جميع الحالات يتخفي الشعر تحت عباءة الجمال اللفظي ليمرر العديد من الأنساق الثقافية التي توارثت  ، كالفحولة، القبلية  ،تمجيد الذات، تحقير المرأة ،تقديس الجسد، فهذا  الجمال الشعري و البهاء اللفظي ليس بالبريء وانما يحمل في طياته مجموعة من الأفكار التي ولدت في بيئة مختلفة لتصل إلينا محملة بأنساق ايديولوجيات معينة. 

وإذا تفحصنا ما وصلنا من أشعار في هجاء الأزواج نجدها قليلة جدا، فغالبا ما كان يهجو الشاعر زوجته فينظم قصائده دون  الإفصاح عن إسمه، وإذا بحثنا في اشعار العرب سنجد  ان من نسبوا لأنفسهم قصائد هجاء زوجاتهم معدودين على رؤوس الأصابع، وسنبدأ بشاعر تمرد على التقاليد وهجا أمه وزوجته وحتى نفسه إنه الحطيئة  إذ يقول ٣

أبت شفتاى اليوم إلا تكلما

بشر  فما أدري لمن أنا قائله 

أرى لي وجها شوه الله خلقه

فقبح من وجه وقبح حامله 

وقال في هجاء زوجته :

أطوف ثم أطوف فآوي

إلى بيت قعيدته لكاه 

فهذا الشاعر هجا نفسه وحتى أقرب الناس إليه متباهيا بفحولته المتخفية في عباءة القصيدة والتي جعلته يتطاول على زوجته وحتى على والدته مفتخرا بلؤمه وانعدام أخلاقه،وبذلك رسخ الحطيئة نسق التمرد على الزوجة أولا وعلى الأسرة ثانيا. 

الثقافي  المهيمن على قصائد هجاء الأزواج  

قال الشاعر حميد من ثور الهلالي يهجو زوجته مشبها إياها بالغول مبينا بأن حتى المرايا تخاف رؤيتها :

لقد ظلمت مرآتها أم مالك ٤

بما لاقت المرآة كان محردا 

أرتها بخديها غضونا كأنها 

مجر غضونها ذقن فدفدا 

وأسنان سود شاخصات كأنها

سوام أناس سارح قد تبددا 

وقال أيضا أبو مالك في وصف يديها ورجليها  

مداخلة الأرساغ في كل أصبع

ومن الرجل منها واليدين زوائد 

وقال شاعر آخر يدعى جران العود النميري مشبها شعر زوجته القصير بأذناب العقارب السوداء

 وإن سرحته كان مثل عقارب 

تشول بأذناب قصار وترمح 

بعد قراءة الأبيات السابقة نستخلص بعض الأنساق التي تسربت إلى عقلية  المجتمع العربي ، وترسخت  في الأفكار والعقول  أهمها 

1-نسق السخرية 

قال أعرابي يهجو زوجة قبيحة الشكل سليطة اللسان 

  لها جسم برغوث وساقا بعوضةٍ٥

ووجه كوجه القرد بل هو أقبحُ!

وتبرق عيناها إذا ما رأيتها

وتعبس في وجه الضجيع وتكلح!

وتفتح - لا كانت - فماً لو رأيته

توهمته باباً من النار يُفتح!

 عن طريق الاستهزاء  من الزوجة ، بذكر عيوبها بشكل مبالغ فيها، مما يضخم ذناءتها وانعدام قيمتها في مجتمع عربي يقدس الماضي، أمام رجل متسلط يبحث عن  عيوب زوجته  وثغراتها، فبمجرد التأمل في الأبيات السابقة يبدو حجم هذا الظلم الذي مارسه المجتمع قديما على المرأة ليتطور هذا النسق الأخطبوط الذى وصلنا حاملا كل أشكال الذل والإحتقار ، رغم انه قل قليلا خلال العصر الإسلامي ،نتيجة ظهور الإسلام بعدما نهى الرسول عن مثل هذا الكلام اللاذع،قال علي بن أبي طالب منتصرا للأدب والأخلاق متشبعا بالقيم الإسلامية 

ليس الجمال بأثواب تزيننا ٦

إن الجمال جمال العلم والأدب 

محاولا تغيير نظرة الرجل الذنيئة نحو المرأة. 

 سيعود هذا الهجاء  ليظهر من جديد وخاصة  خلال العصر الأموي ،الذي تشبع بهذا المفهوم انطلاقا من الخطاب  الشعري القديم  الذي يتواري خلف جمالية النص وموسيقاه،  لتتوارث عن طريقه   هذه الاديولوجيات الجائرة في حق المرأة / الزوجة، ليصبح موروثا فكريا ثقافيا ملوثا  مترسخا في المجتمع والذات العربية  ،إن هذا الشاعر يريد تدمير خصمه-المرأة/الزوجة، بل يجعلها من أحقر المخلوقات يشبهها أحيانا بالغول وأحيانا أخرى بالعقارب والحيات ،وصف بروكلمان هذا الشاعر باللعنة السحرية التي يطلقها الشاعر الذي يدعي الفحولة لتعطيل خصمه إنه سحر اللفظ الذي يتضمن في أعماقه نسقا حائرا نجني تبعاته في العصر الحديث 

ومن الشعراء من اعتبر المرأة /الزوجة  وسيلة  فقط لتحقيق رغباته 

يقول أحد الشعراء 

وإذا كان في قلبي طعام ذكرتها 

وإن جعت لم تخطر ببالي ولا فكري

ويزداد حبي إن شبعت تجددا

وان جعت يوما لاتكوني على ذكري 

ويقول الشاعر إبن المعتز:

قلبي وثاب إلى ذا وذا 

ليس يرى شيئا فيأباه

يهيم بالحسن كما ينبغي 

ويرحم القبح فيهواه 

وإذا تفحصنا الشعر العربي بالأخص في العصر العباسي  سنجد ان الرجل أيضا لم يسلم من سخرية زوجته،كان  للحجاج قوة سيف السلطة، قص عليه أحد رسله من الوشاة عن جمال هند بنت النعمان 

بهاء في الوجه وفصاحة في اللسان، رغب فيها الحجاج قبل أن يراها، وأرسل إليها يخطبها وقالت هند *لا اتزوج َممن ظلم العباد وسفك الدماء حتى ولو حضرت منيتي. 

هدد الحجاج النعمان والد هند، فقبلت بالزواج فأنشدت يوما قائلة ٥

ما هند إلا مهرة عربية 

سليلة أفراس تحللها بغل

فإن ولدت فحلا فلله درها 

وإن ولدت بغلا فجاء به البغل 

انكسر خاطر الحجاج، وأدرك أنها عصية واقنع نفسه بطلاقها لأن مثل هذه المرأة بالنسبة له  لا تساس، إذن فالنعمان لم يفرق بين زوجته و البعير، إمتدت هذه النظرة الدونية لتصلنا مغلفة باجمل غلاف يعشقه العرب – إنه الشعر – لكنهم يتجاهلون وقعه السلبي على ثقافة المجتمع الحديث،ومازالوا يمجدون الشعر القديم الذي يكرس الفحولة والطبقية

نسق التعددية والخيانة المقنعة

 ق التعددية والخيانة المقنعةتعدد الزوجات كان قبل الإسلام ولم يكن ابدا مقننا، فكان للرجل الحق في الزواج بمن طاب له من النساء، بالزواج او بغير زواج.. 

تزوج رجل أعربي من امرأة ثانية  ، فكانت جارية الحديثة تمر على باب الزوجة القديمة القديمة وتقول:

ومما تستوي الرجلان رجل صحيحة٦

ورجل رمى بها الزمان فشلت 

ثم تعود وتقول :

ما يستوي الثوبان ثوب به البلى 

وثوب بأيدي البائعين جديد 

فمرت جارية القديمة على الحديثة وأنشدت

نقل فؤادك حيث شئت َمن الهوي

ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى 

وحنينه دوما لأول منزل 

وتقول أعرابية  في هجاء زوجها المخلوع:

إن لي زوجا بخيلا

ليس يرضيه القليل 

دون أن يبتاع شيئا 

يطلب الأكل الجليل 

ويرد البيت جحيما 

وبنيه شر جيل 

لو رأى يوما سواي

صاح بالشدو الجميل 

ولهذا قد خلعته إنه شر خليل

يقول اعرابي بعد طلاق زوجته

رحلت أميمة بالطلاق

وعتقت من رق الوثاق

بانت فلم يألم لها قلبي 

ولم تبك المآقي

لو لم أرح بطلاقها

لأرحت نفسي بالاباق

ودواء ما لا تشتهيه 

النفس تعجيل بالفراق

والعيش ليس يطيب

بين اثنين في غير اتفاق  

 

هكذا وصلتنا مجموعة من النصوص الشعرية ،بديعة اللفظ ،ساحرة الوزن، لكنها تحمل في طياتها شحنات من الكراهيةو التفرقة، ترسخ التفكك الأسري، رغم ان القرآن الكريم أباح التعددية والطلاق خلال العصر الإسلامي ، فإن الشعر الجاهلي كانت له آثاره الوخيمة على الفترات التي أتت بعده إما بصيغة مقننة أو غير ذلك

فكل عصر يحصد ما  زرعه العصر السابق،  وها نحن نحصد هذا التراكم النسقي المنحل، إذ وجدنا أنفسنا في  العصر الحديث  أمام واقع نجهله لأنه ظهر في بيئة تختلف عن بيئتنا، أين نحن من هذا الركام الفكري المدسوس في عقليتنا الحديثة ، الذي أصبح يجري مجرى الدماء؟ . 

نسق الفحل /الطاغية

عمل  الشعر العربي القديم على صناعة الرجل /الفحل، فأسقط صفة الفحولة عن المرأة 

يقول أبو النجم العجيلي :٧

إني وكل رجل من البشر 

شيطانه أنثى وشيطاني ذكر 


اتهم هذا الشاعر في محاولة صناعة نسق الرجل/ الفحل، فحط من قيمة المرأة، مميزا بشكل مبالغ فيه بين الذكر والأنثى. 

وانطلاقا من مجموعة من النصوص الشعرية الهجائية، تتجلى صناعة الرجل الفحل /الطاغية، الذي سوف يصلنا محملا بالعصي والهراوات  وكل فحل ثقافي فهو محصن ومحروس تحرسه الثقافة بكل وسائل الحماية وتتخذه نموذجا للقدوة الاجتماعية كنسق يثبت ويرسخ .. 

يقول الحطيئة في هجاء زوجته:

أطوف ثم أطوف ثم آوي٨

إلى بيت قعيدته لكاع

إن صورة الرجل الذي يصطنع الفحولة واضحة في الثقافة الشعرية عند العرب، باعتمادها نموذج الفحل التي تندمج مع صورة الطاغية في الذهنية الثقافية، متوسلة بجمالية النصوص الهجائية  لتمرير نماذجها ،حتى تغزو عقل المجتمع العربي الحديث، وفي هذا الإطار يؤكد أدونيس هامشية الحداثة وعجزها عن تحقيق انجاز نوعي للذهنية العربية، التي تجتر كل ما سبق منبهرة بعباءة الشعر القديم وخاصة تلك التي ازدهرت خلال  العصر الجاهلي والأموي

تقول ليلى الاخيلية ممجدة الذات الطاغية للرجل الفحل 

نحن الأخايل لا يزال غلامنا ٩

حتى يدب على العصا مشهورا

تبكي الرماح اذا فقدت أكفنا

جزعا وتعلمنا الرفاق بحورا

ونحن أوثق في صدور نسائكم

منكم اذا بكر الصراح بكورا

هذا الشعر الفحولي، صادر عن امرأة، مما يعني ان الشعر تعبير عن الشرط النسقي اكثر مما هو تعبير عن الذات الشاعرة، كما عبر عن ذلك أدونيس . 

-نسق تقديس الجسد وتبجيله 

انطلاقا من النصوص الهجائية السابقة يتبين هجاء الرجل الفحل لزوجته بذكر عيوبها الجسدية، مشبها إياها بالغول تارة، وبالعقارب،مستهزئا من سنها، مقارنا بينها وبين فتيات اخريات، وفي هذا الإطار يتجلى تبجيد الرجل للجسد ، مع إهمال قيم المرأة وفضائلها، وحتى روحها، وبالتالي وصلتنا فكرة، المرأة /الجسد ،التي ترسخت في أذهان العقل العربي الراهن والتي تمتد جذورها إلى الحقبة الشعرية القديمة التي تركت لنا دستورا مبجلا نسير على خطاه،رغم محاولة الفقهاء وبعض شعراء العصر الإسلامي و المخضرمين ، إرشاد الشعراء وتنبيههم بأن المرأة ليست مجرد جسد، وإنما هي روح وأخلاق، ومن سيصدق هذا  والعديد  من القصائد تمدح وتتشبب بالمرأة الجميلة واخرى تهجو المرأة القبيحة العجوز، في أبهى حلة  خطابية موزونة ومقفاة، وخاصة إذا كانت مكتوبة بماء الذهب على باب الكعبة،لقد منحوا أفكارهم ومذاهبهم قيمة كبيرة متأكدين بأنهم ستصلنا وتستقر في اذهاننا وعقولنا

فمنذ أن تشعرنت القيم الثقافيةوتشعرنت معها الذات العربية ،جاءت إلى حياتنا عيوب نسقية صفقنا لها وناصرناهاوظلت تمر من غير نقد أو مساءلة واحتفينا بأشعار أبطالنا القدامى الذين حاربوا بالسيبف والقلم ونفثوا سمومهم هجاء وحتي مدحا ، تسللت هاته الأنساق عبر جمالية الخطاب وتغنينا بأشعار الهجاء كأنها سيمفونيات بتهوفن ,أخدنا حتى المضمون كنسق ونموذج احتذينا به. 

************** 


المصادر والمراجع

الشعر والشعراء، ابن قتيبة 

شرح المعلقات السبع، للزوزني  

قراءة ثانية لشعرنا القديم، الدكتور مصطفى ناصف 

دلائل الإعجاز ، الجرجاني


تعليقات