جميل جدا أن نضحي كي نرسم الفرحة على شفاه من نحب وجميل جدا أن نكون شعلة من أمل تضيء حياة الآخرين ،تزيح عن وجوههم علامات الحزن والأسى، جميل أن نكد ونثابر من أجل لقمة العيش ثم نتوكل على الله، هكذا كانت صابرة فمنذ وفاة زوجها وهي تتحمل أعباء الحياة ، مضحية من أجل بناتها الثلاث ، ومن أجل والدتها العجوز، تنطفىء كل يوم آلاف المرات ولم تيأس ، تكفكف عبراتها حتى لا يراها الآخرون ، حتى لا ترى من تحب حزينا ، هكذا تكون الأم صابرة مثابرة ،تخفف عن الآخرين ولا أحد يخفف ألمها ،راضية بالقضاء والقدر ، كانت امرأة نحيلة ، جميلة رغم قسوة الزمن ، تقطن في منزل صغير في قرية نائية تفتقر إلى أبسط شروط العيش ، يعاني سكانها في صمت ، يقطعون المسافات والطرق الوعرة من أجل دريهمات قليلة لعلها تسد جوعهم ورمقهم اليومي ، وجوه بئيسة وأفواه ظامئة تطمح إلى حياة بسيطة دون تعب أو عناء ،عاشت صابرة منذ سنوات طويلة في كنف هذ الأرض الطيبة ، عرفت بين سكان القرية بأخلاقها القوية وشخصيتها القويمة ، لم تهزمها يوما ضغوط الظهر ولم تنحن لأحد سوى لرب العالمين ، كانت تعبده عزوجل ليل نهار طامعة في لطفه ،فرضت عليها الظروف أن تكد وتجد طيلة اليوم لتكسب بعرق جبينها لقمة عيش حلال ، حتى لا ترى نظرةحزن أو عوز في عيون بناتها و أمها ،توكلت على الله في كل خطواتها ،لم تقنط يوما من رحمة الله ، ولم تتأفف ولم تبن عن حاجتها لأحد ،توفي زوجها وتركها في ريعان شبابها تعيل ثلاث فتيات ، أكبرهن أمل في ربيعها السادس عشر ، وبعدها بثينة ثم الصغيرة زينب ذات العشر سنوات توفي والدها ولم تستوف بعد سنة واحدة ،فكانت صابرة بالنسبة لهن الأب والأم ، تجوع كي تطعمهن وتعرى كي تكسوهن،في السنوات الأولى كانت والدتها تساعدها قليلا ، لكنها فيما بعد أصبحت الأم هزيلة منهكة القوى ولم تعد قادرة على مساعدة إبنتها الوحيدة التي تكد من أجل بناتها ،لم تفكر صابرة يوما في الزواج رغم أنها مازالت في الثلاتينيات من عمرها، تلقت عروضا لكنها كانت ترفض رغم إصرار والدتها ، لم تجد عملا سوى أن تشتغل كخادمة لدى بعض أغنياء القرية ، فرغم معاملتهم القاسية لها كانت مضطرة للبقاء في هذا العمل الذي كان يقيها من الحاجة إلى الآخرين ، كانت تمشي بثقة ، متعففة وفاضلة ،وبثقتها بنفسها تغلبت على الظروف الصعبة التي حاصرتها ،وتغلبت على الرياح الهوجاء التي ألمت بها ، فحمت نفسها وبناتها ووالدتها ، واثقة ،قوية الإرادة ، معتصمة بحبل اله ، فلم تنل منها الشمس الحارقة ولا الطرق الوعرة ، لم تحد من عزيمتها صعوبة عملها ، لم تستسلم يوما ، وكلما أحست بالضعف والحزن استغفرت ربها واتكلت عليه ، لتستمر في طريقها رغم الأشواك الدامية ورغم الهموم العاتية ، تحدت الظروف مستمدة قوتها من نور الله وكتابه ومن إشراقة وبراءة بناتها الثلاث، كانت تذبل كل يوم لينمق الشقاء ملامح وجهها البريء ، لم تنظر إلى المرآة كأي امرأة في عمرها ، بل نسيت اليوم أنها امرأة ، رغم ذلك حافظت على ابتسامة تحمل في طياتها الكثير من الأمل ، إنها إبتسامة التحدي ، إبتسامة الإيمان والثقة بالله
تستيقظ صابرة كعادتها وشروق الشمس ،فكانت أول ما تستهل به يومها الصلاة ثم الإستغفار والتسبيح داعية الله عز وجل كي يمن عليها وأسرتها بالراحة والطمأنينة ، ولا تريد من الحياة سوى أن ترى بناتها ووالدتها بخير ،وما يهما أكثر هو رضى الله عنها متجنبة القيام بما يغضبه عز وجل ،لهذا كانت حريصة وشديدة الحرص على عفتها ونقائها ، فبعد صلاتها ومناجاتها لربها تحضر الطعام لبناتها ثم تغادر المنزل في اتجاه مكان عملها ، تتلقى أبشع معاملة ، تقوم بأشغال فوق طاقتها ، تطبخ ، تكنس، تحمل الأثقال ، سمعت أنذل الألفاظ من عند مشغليها وكان ردها دائما < أستغفر الله وأثوب إليه > تحبس دمعتها في الأحذاق وتتوجه إلى ربها بالدعاء كي يزيح عنها ما تعانيه ، لم تخبر يوما أسرتها بمعاناتها ، تود أن تشاطرهن فقط أفراحها أما الآلام فتحتفظ بها لنفسها ، بعد يوم شاق تعود في المساء منهكة خائرة القوى ، تجر رجليها خلفها من شدة العياء ،تمسك في يديها مالا قليلا تراقبه كل لحظة خوفا ان يضيع منها ، وفي طريقها تمر لتقتني شيئا لوالدتها ولبناتها كالعادة ، لم تعد يوما فارغة الوفاض ، وعند وصولها إلى منزلها تنسى كل تعبها بمجرد رؤيتها لابتسامة بناتها وهن يستقبلنها ويسألنها كعادتهن والفرحة تعلو محياهن
*ماذا أحضرت لنا يا أمي ؟
*هل أحضرت لنا عرائس السكر ؟
لا تستطيع الأم الرد لشدة التعب ، تحرك رأسها بالإيجاب مع ابتسامة بسيطة تعبر لهن على أنها قد أحضرت ما يحتجنه، الفتاة الصغيرة تقبلها والأخريات يعانقنها ، يكفيها هذا الإستقبال لترتاح من تعب شاق ، يكفيها إبتسامة الزهرات لتستنشق عبق السعادة ، يكفيها فقط أن تكون أما ولا تنتظر أجرا سوى من رب العالمين ، أما والدتها العجوز فكانت ترى في ابنتها كل شيء جميل ترافقها بدعواتها في كل مكان وزمان ، كانت تريد أن تتذكر شيئا ما تعرف أنه مهم جدا لابنتها لكنها لم تستطع نظرا لكبر سنها ، تنسى كل شيء في لحظة، لكنها لم تنس يوما إسم الله ، وتلك المسبحة التي تمسكها بيدها محركة أصابعها بين الفينة و الأخرى مستغفرة مسبحة لله عز وجل
تفرغ الأم ما تحمله في يديها من أغراض مدارية تعبها وعناءها ، مبتسمة في وجه بناتها وهي تكفكف عبراتها المنسابة خفية ، تحاول أن تشعل شموع الغرفة حينها يكون الظلام قد حل ، متناسية شمعة حياتها ، تتهافت الأيادي الصغيرة بشغب وشغف لتلتقط ما أحضرته الأم،تتعالى أصوات البنات وكأنها تسمع أغنية الحياة ، بعد ذلك تذهب لتطمئن على والدتها ، التي لم تكف يوما عن التسبيح لله عزوجل ، تقبل صابرة رأس والدتها وتقدم لها بعض الفواكه الطرية والأشياء التي تحبها ، تبتسم الجدة تارة وتارة أخرى تسأل ابنتها عن ثمن بعض الأغراض ، لم تتوقف الأم عن الدعاء لابنتها إذ كانت ترى في محياها شمسا تضيء حياتها ، بل سندا وأملا في الدنيا
في يوم خريفي شاحب يختلف عن باقي الأيام لما به من رعب وخوف ولما حمله من ألم ،حل وباء الطاعون بالبلدة ، عم الجوع والمرض ، توفي الكثير من السكان فكان ذلك سببا في توقف صابرة عن عملها إذ طردها صاحب المنزل الذي تشتغل به خوفا من العدوى ، كغيرها من العمال البسطاء وخادمات البيوت ، شلت الحركة في القرية ، احتكرت السلع وزاد ثمنها ، وجدت صابرة نفسها فجاة عاطلة ، ضعيفة لا سند لها سوى رب العالمين ، كانت صدمة كبيرة لها وللعديد من العمال البسطاء، لم تخبر أحدا بالأمر وظلت متكتمة محتفظة بسرها، تعد بعض الدريهمات القليلة من لحظة إلى أخرى ،مفكرة في مصير أسرتها في الأيام القادمة ، في تلك الليلة لم يزر النوم لها جفنا ولم ترتح من هذا الطارئ الذي ألم بها ، لكنها كعادتها ،ظلت تسبح وتستغفر الله عز وجل متضرعة إليه كي يحل كربتها ، متذكرة نصيحة والدها الذي كان ينصحها بالإستغفار قائلا <إّذا أصابك هم يا ابنتي استغفري واذكري الله كثيرا ، فسيخفف عنك ويزيح عنك غمتك ، مكررة قوله عز وجل في كتابه الكريم في سورة نوح <استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل عليكم السماء مدرارا ،ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا > صدق الله العظيم ، غفت صابرة قليلا ولم تتوقف شفتاها عن التسبيح والإستغفار عاملة بنصيحة والدها ، سمعتها ابنتها الكبرى أمل التي كانت تستلقي إلى جانبها وظلت تنظر إلى والدتها وهي تستغفر بشكل متكرر، رغم أنها تغط في نوم عميق ، استغربت أمل وظلت تفكر في والدتها، نظرا لشحوب لونها الذي ينم عن إرهاق شديد متسائلة :
*هل يمكن للحمى ان تفعل بها هذا ما خطب والدتي هاته الليلة إنها حزينة حائرة، ؟
ظلت ترمقها ، تارة تغطيها وتارة أخرى تمس جبينها ، إلى أن حل الفجر ، صلت أمل الفجر متضرعة لله قائلة :
<اللهم فك كربة والدتي ، اللهم أعنها وخفف عنها تعب الحياة >، لتسيل دموعها بغزارة وكأنها تشعر بأن والدتها تعاني من شيء ما ، وإذا بأصابع صابرة تكفف عبرات ابنتها لترتمي الفتاة في حضنها منتحبة
-مابالك بنيتي ؟ لماذا تبكين ؟ هل تذكرت والدك أم تشتكين من شيء ما ؟
-خفت عليك يا أمي ، ظننتك مصابة بالحمى وخاصة أنك تتحدثين وأنت نائمة ، اخبريني هيا ما الخطب ؟أصبحت ناضجة الآن ويمكنني تحمل المسؤولية إلى جانبك ، يكفيك ما تعانيه يوميا
-وماذا كنت أقول يا ابنتي حينما كنت نائمة ؟
-كنت تستغفرين ولم تتوقف شفتاك عن ذلك
-فعلا يا بنيتي ، فهذا ما علمني إياه جدك رحمه الله ، لو أدركت قيمة الإستغفار لما توقفت عنه دقيقة ، قال الرسول عليه الصلاة والسلام :< من لزم الإستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ،ومن كل ضيق مخرجا ،ورزقه من حيث لا يحتسب >
-وهل لي يا أمي أن أعرف سبب حزنك ، لقد انشغلت عليك ، أخبريني فأنا ابنتك الكبرى
ترددت الأم ولم تنبس ببنت شفة ، لكن امل ظلت مصممة لمعرفة سبب معاناة والدتها
تكلمت الأم بصوت خافت قائلة:
-لن أستطيع العمل بعد اليوم ، لقد طردت بسبب الوباء الذي اجتاح القرية ، ولا أعرف كيف سألبي لكن احتياجاتكن ، أنا جد حزينة لكن ثقتي في الله كبيرة ، سأحاول أن أبحث عن عمل آخر لكن الأمر صعب وخاصة أن الطاعون منشر بشكل فظيع ولقد تم تسريح العديد من الموظفين والعمال ، إنها فعلا أزمة حقيقية ، نتضرع إلى الله كي يفك كربتنا وكي ينعم علينا من فضله ، سأذهب بعد قليل لأبحث عن عمل آخر لعلني أحظى به في خضم هاته الظروف القاهرة
ردت أمل بصوت متقطع حزين:
<-لا تيأسي يا أمي فرحمة الله وسعت كل شيء ، لا ندري ماذا سوف يحصل فيما بعد ، يكفي أنك عانيت سنين طويلة من أجلنا ، يكفي أنك الأم والأب ، فربي أبدا لن ينساك ولن ينسانا ، الذي يطعم الطير في السماء ، كيف ينسى من في الأرض لا تحزني فالمدبر حكيم ، هيا ابتسمي يا حبيبتي ، فلا يأس بعد رحمة الله >
<-أحسنت بنيتي ، أنا فعلا أفتخر بك كلامك عين الصواب ، سأذهب للصلاة وبعدها سأطمئن على جدتك ربما قد تحتاج شيئا >
-لا تنسي الإستغفار يا أمي
سمعت الجدة أصيلة حوار ابنتها وحفيدتها فحز ذلك في نفسها ،حاولت النهوض من مكانها لكنها لم تستطع وفجأة استرجعت شيئا ما غاب عن ذهنها منذ سنوات طويلة ، إستعادت ذاكرتها بعد نسيان طويل ،وتذكرت وصية زوجها منذ خمس سنوات عندما أوصاها وهو يحتضر :
< إهتمي بصابرة لأنها تصارع وحيدة في هاته الحياة ، فإذا وجدتها حزينة مكلومة ، قدمي لها هذا المفتاح وستجدين صندوقا قديما في بهو المنزل ، علمته بعبارة < أستغفر الله > أهداني إياه والدي ، إسمعي جيدا نصيحتي ، لا يفتحه أحد سوى صابرة ، عديني بذلك يا أصيلة ، هذه أمانة على عاتقك >
تذكرت أصيلة كلام زوجها فنادت على ابنتها قائلة :
<صابرة ، صابرة ، تعالي يا بنيتي ، احضري لي كوب ماء أشعر بالعطش ، هيا أسرعي عزيزتي >
هرعت صابرة إلى والدتها وفي يدها كأس ماء ، شربت الأم وطلبت من ابنتها الجلوس إلى جانبها
< حسنا أمي هل تحتاجين شيئا عزيزتي ؟>
< أجل بنيتي ، أحضري تلك الجرة التي أحبها ، إنها هناك قرب حزمة ملابسي .>
< هي فارغة أمي لماذا تريدينها ، هل أملأها بالماء وأضعها إلى جانبك>
< أحضريها فقط لأنها ذكرى من والدك>
حاولت أصيلة إخراج شيء من الجرة لكنها لم تستطع ، حاولت مرارا دون جدوى ، فأسقطت الجرة أرضا وإذا بمفتاح نحاسي كبير يخرج من أحضان الجرة ، فأحدث صوتا قويا ، أخدته صابرة في يدها قائلة:
< ما هذا يا أمي ..؟>
-< ألا ترين ، إنه مفتاح ، لهذا السبب ناديت عليك ، إنه أمانة من والدك ، أمرني أن أعطيك إياه وقت الشدة ، والآن حان الوقت كي تستلمي وصية والدك >
استغربت صابرة وانهمرت العبرات على جفنيها وكأنها تروي جفاف السنين
إستدرجت الأم في حديثها:
< هذا مفتاح صندوق تركه لك والدك ، لم أفتحه يوما ، كما امرني بذلك ، إذهبي الآن ستجدينه في مكان ببهو المنزل بالزاوية اليمنى و كتبت على سطحه عبارة< أستغفر الله >، فهذه علامة من والدك حتى لا يضيع الصندوق ، فقط احفري قليلا ستجدينه مغلفا بثوب أخضر >
هرعت صابرة إلى عين المكان ، شعرت برهبة كبيرة ، إذ إمتزج الشوق بالحنين ، هاهي الآن ستشم رائحة والدها من جديد ، وستعانق بعضا من أغراضه ، حفرت صابرة في المكان ، ساعدتها بناتها على ذلك وكانت عبراتها تمطر غزيرة لتروي ثرى الذكرى ، لتوقظ أحلام السنين ، أخرجت صابرة الصندوق وأزاحت عنه بأناملها بعض الغبار العالق وعادت إلى أمها أصيلة قائلة:
-< لقد عثرت على الصندوق يا أمي >
< هيا افتحيه بنيتي ، أذكري إسم الله أولا ثم احمديه واشكريه عز وجل على عطاياه ، هيا لا تترددي إنه هدية من والدك >
فتحت صابرة الصندوق ، وكانت المفاجأة ، اندهشت صابرة وتسمرت في مكانها لم تتكلم..وظلت ترمق وتركز في محتوى الصندوق والحيرة تعلو محياها ، وكأنها لا تصدق ما تراه
< هيا يا أمي أخبرينا بما وجدت ؟ > قالت أمل
ظلت الأم صامتة ولم تنبس ببنت شفة ، فأسرعت أمل لترضي فضولها حتى تعرف بنفسها ماذا يحدث، لتصرخ بصوت مرتفع:
< إنه كنز يا جدتي ، مجوهرات وحلي من الذهب والفضة ، وأوان ذهبية تعود إلى آلاف السنين >
واصلت أمل حديثا :
< وهناك أيضا رسالة ، خدي يا أمي أكيد أنها من جدي رحمه الله >
أخدت صابرة الرسالة بأنامل مرتشعة وكان جبينها يتصبب عرقا وبدأت تقرأ الرسالة التي أعادتها إلى الزمن البعيد
<باسم الله الرحمان الرحيم ، أستغفر الله وأثوب إليه ، في هاته اللحظة وأنا على مشارف مغادرة الحياة،تركت لن ما خبأته من سنين ، وما ورتثه عن أجدادي ، أنت الآن في أمس الحاجة إلى هذا المال أكثر من أي شخص آخر ، وتستحقينه لأنك امرأة تقية ، مكافحة من أجل أسرتك وبناتك ، واعرف أنك سوف تنفقينه في ما يرضي الله، أراك الآن ترسمين الإبتسامة الجميلة على وجهك ، أوصيك دائما بذكر الله والإستعانة به واستغفاره ، كوني قوية ولا تستسلمي أنت الآن قادرة أكثر على فعل الخير ، صمدت كثيرا وهذا جزاؤك لأنك تستحقين بنيتي ، إهتمي كثيرا بوالدتك وببناتك ولا تنسي أنني أحبكن وروحي ستبقى معكن إلى الأبد ، وداعا بنيتي >
أكملت صابرة قراءة الرسالة وانهارت بالبكاء وكأنها تخرج بركانا كان بأعماقها ولطالما أخفته عن الجميع ..عانقتها بناتها بحب وحنان
ردت الجدة مندهشة مخاطبة حفيدتها أمل :
< سبحان الله والحمد لله أستغفره وأثوب إليه ، هذا كنز تركه أجداد والدك ، لم يخبر به جدك أحد، تركه لشخص كان يدرك أنك سيكون في أمس الحاجة إليه ، فاستغفار بنيتي صابرة طيلة الليل جعلني أتذكر ، لأن كبر سني جعلني أنسى هاته الأمانة ، لكن شاء الله عز وجل أن يفتح الصندوق عندما كانت والدتك في أمس الحاجة إليه ، لقد كان هذا الوباء سببا في توقف معاناة والدتك ، التي اغتنت منذ هذه اللحظة ، لقد علمنا جدك دائما قيمة الإستغفار ودعانا إلى ذلك في السراء والضراء ، لهذا كتب عبارة أستغفر الله في مكان الصندوق ، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان ، ها أنت يا صابرة تحصدين ثمرات كفاحك >
ارتمت صابرة في أحضان والدتها فامتزجت الفرحة بالدموع ليطمئن قلب الأم الحنون ، التي عادت لها ابتسامتها من جديد ، ربتت الأم على كتف إبنتها قائلة :
< لقد كنت مثالا للعفة والصبر والتقوى ، لقد شاء الله عز وجل أن تتوجين في زمن صعب وترتاحين قليلا من العناء >
ردت صابرة بصوت خافت:
<هذا الكنز ليس لي لوحدي ، هو هبة لكل ضعفاء القرية ، سأساعدهم وأخفف عنهم وطأة الفقر والمرض ، فهبة الله لي في هذا التوقيت ، هي رسالة منه عز وجل وهي أيضا رسالة غير مباشرة من والدي ، الذي طالما حدثني عن أهمية الصدقة والإستغفار ، ولطالما كان يردد هاته الآية وطلب مني حفظها قوله تعالى في سورة هود الآية ثلاثة <استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا > صدق الله العظيم
ردت الفتيات
-صدق الله العظيم
لترد امل على حديث والدتها وهي مستغربة :
< ألهذا كنت تستغفرين طيلة الليل يا أماه ؟ >
< أجل بنيتي ، لقد علمني والدي أن الإستغفار يغسل ذنوبنا ويخفف همومنا ويجعل لنا من كل مأزق مخرجا ، إن الله قدير على كل شيء ، لقد أثنى الله عز وجل على المستغفرين والمستغفرات في الأسحار أي في أواخر الليل ، وذلك بعد عبادتهم لربهم ، لطلب المغفرة بعد التقصير في حقه عز وجل ، لقوله عز وجل في سورة آل عمران : <الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار > صدق الله العظيم
في جو حميمي عانقت صابرة والدتها وفتياتها ،وشكرن الله عز وجل على هبته لهن، عمت السعادة البيت من جديد ، لتحلق الفرحة في القلوب بعد ما أدمتها الحاجة والفقر ، وأخيرا ارتوت الأرض الشاحبة ، بعدما أمطرت السماء خيرا وبركة ، فحلول الوباء وطرد صابرة من عملها لم يكن أبدا شرا وإنما كان سببا في انقشاع الغيوم وتبدد الظلام لتزور الشمس قرية البؤساء وتبدد صقيع الأسر المحتاجة ، فمهما اشتد السواد يحل الفجر ، ولولا البكاء لما عرفنا قيمة الفرحة والسعادة ، فالله عز وجل قريب منا ، يكفي أن ندعوه ونستغفره ليجيب دعوتنا
قررت صابرة أن تساعد فقراء القرية وتساهم في محاربة وباء الطاعون ، فكانت هبة والدها عطية من الله أشعلت النور في الظلام ، وأزاحت الأشواك من طريق الصالحين والصالحات الذين يتكلون على ربهم في السراء والضراء ، إنتهى الوباء بعد أشهر قليلة وعادت الحياة إلى طبيعتها ، فأصبحت صابرة كزهرة برية تعلو محياها علامات التقوى والإيمان ، تحيط بها بناتها الثلاث كالزهرات ، تفحن بعبق الحياة وكأنهن أميرات ، هكذا أراد الله فبعد العسر يسرا ، وبعد الشقاء الراحة ، تغيرت حياة صابرة وغدت مالكة لعقارات تشرف عليها وتسيرها من أجل مصلحة ضعفاءالقرية ، لقد سخر الله لهم ما كان خفيا وكان إلى جانبهم في وقت البلاء
إشترت صابرة أرضا إشتغل فيها الكثير من المعطلين ،ليقتات من خيراتها أهل القرية ، كما ساهمت في إنجاز مشاريع كثيرة غدت بفضلها وبفضل الله عز وجل القرية غدت أكثر حركة ، فبعدما كانت ساكنة حزينة ، سخرت صابرة حياتها ليس فقط لأسرتها الصغيرة وإنما لخدمة أهل قريتها فوقفت وقفة رجل وأزاحت الغيمة عن سمائها وأسعدت أسرتها وأهل قريتها ، هكذا ارتاحت صابرة عاملة بوصايا والدها ، زارعة الخير في كل مكان ، مضمدة جراح الآخرين، مساهمة في تنمية قريتها ، نتيجة صبرها الشديد وإرادتها القوية وتوكلها على الله عز وجل في كل أمورها ، فبعد غسق الظلام حل النور ودخل البيوت والأفئدة ، واسترجعت صابرة قوتها وجمالها ، وانطلقت من جديد في حياة مضيئة مليئة بالسعادة والفرح ، وخاصة حينما رأت السعادة في أعين الآخرين ، وحينما لمحت الفرحة في عيون بناتها وهن يتمتعن بما حرمن منه في الماضي ، عادت لصابرة بسمتها وشبابها ،واستنشقت عبير الحياة من جديد ، فما أجمل الإستغفار ، وما أحوجنا إلى هذا الدواء الذي دعا إليه الرسول أكثر من مرة
قال الرسول صلى الله عليه وسلم <من قال أستغفر الله الذي لا إلاه إلا هو الحي القيوم وأثوب إليه ثلاثا ، غفرت له ذنوبه وإن كان فارا من الزحف > صححه الألباني
عنوان القصة : نور الاستغفار
الكاتبة : حياة نخلي
البلد : المغرب
تعليقات
إرسال تعليق